مضى عليه وراء القضبان أسبوعين.. ومازال يمنّي نفسه بالخروج قريباً..
"حتماً سأخرج فليس عليّ شيء.. لقد أخبرتهم بما أعرف وأن الأمر كان محض التباس.. "..
لقد اقتنعوا بكلامي ودوّنوا ذلك في أوراقهم..
بعض المعاملات وأصبح في الخارج إن شاء الله..
كان ذلك النوع من السجون الذي يدخل فيه الناس دون أن يخرجوا.. حتى يدخلون في طيّ النسيان أو يزدحم المكان (زيادة).. كان يضمّ "المهجع" كما يصفونه عدداً كبيراً ومتنوعاً من "الزوّار" .. الصغير والكبير.. "المستجدّ" كصاحبنا يعدّ كل ساعة تمرّ عليه هنا.. و"المعتّق" الذي أصبح عد السنوات عليه أسهل!!
ضيق المكان وصعوبة العيش فيه تجعل التعوّد على الحال أمراً مستحيلاً! .. يمكنك أن تتعود على قلة الطعام، على نوعية الطعام المتدنية، على مستوى النظافة الرديء.. على اختلال نسبة الأوكسجين التي تنالها يومياً..
لكن من الصعب أن تعتاد على الإهانة المستمرّة في أبسط حقوقك! .. من الصعب أن تعتاد على أن يعاملك إنسان "مجازاً" على أنك "تفشيشة خلق" كلما مل أو شعر بالضجر.. رغم ذلك هناك من تكيّف مع هذا الوضع..
خمسة عشر يوماً ومازال قلبه وفكره معلّق في الخارج.. على الرغم من المحبطات الكثيرة.. لا يُعرف عن هذا المكان أن يخرج منه أحدٌ "مبكّراً" ولو دخل مصادفة أو "تشابه أسماء" !! ما بصير!
رغم ذلك.. هناك أمل..
وفعلاً .. نادى المنادي على اسمه! رغم أمله لم يصدّق في أوّل الأمر .. طلبوا أن يحضر أغراضه كلها!!
أحقاً سأخرج إلى النور!! خروج عزيزٍ للحرية (وقد كانوا يخرجونهم للتحقيق أو "التنكيل" ).. لم يخب ظني.. سأخرج وبعد ساعات أصبح حراً..
نعم خرج..
لكنه اكتشف أن "شهر العسل" هنا قد انتهى .. وبدأ الجد!!!
أريد أن أخبركم أمراً..
ليس هدفي أن أروي رواية أو أحكي قصة حياة مظلوم..
قد تمرّ عليك أيام تحسبها ستمتدّ لتقضي على عمرك كله.. قد تيأس حتى يقتلك اليأس وربما الفرج كان ينتظرك بعد ثوان!
قد تحسب الظلام من طوله أبديّ.. وأن النّور لم يخلق أًصلاً!!
قد وقد وقد.. لكن الحقيقة واحدة.. "دوام الحال من المحال"..
كان يطمع بالفرج واشتدّ عليه العذاب..
من أين سيأتي الأمل بعد هذا!!
وجد أن ملفاته قد فتحت من جديد.. وقف للتحقيق من جديد ولم يصدقوا شيئاً من كلامه..
كان عليه أن يتجرّع العذاب لحكمة ما.. رغم أنه بريء وصادق..
من أين سيأتي الأمل بعد هذا!!
كل ثانية كانت تمرّ عليه كالدهر من شدة العذاب.. هذا امرؤ كان منذ دقائق يمنّي نفسه برؤية الأهل والأحباب..
فأيّ أمل بعد هذا..
لعلّه تمنى الموت ولم يجده.. ولو أنه كان قاب قوسين أو أدنى..
مازالوا يسألونه عن تهمته تلك.. وأضافوا إليها المزيد..
حسناً.. حطموا الآمال كلها وأدخلوه مجدداً في زنزانة أخرى.. مع معمرين آخرين..
لم تنته القصة.. ولن أكملها..
لكنه الآن -بفضل الله- حرّ طليق..
كيف ولماذا لا أدري.. هو نفسه لا يدري.. لا يوجد تسلسلٌ منطقيّ للأحداث..
لكن أعرف أمراً ومتأكد منه..
أنه سلّم أمره لله ورضي بتدبيره..
صدق الالتجاء إليه وأحسن ظنّه به..
حتى خرج إلى النور من وسط الظلام..
لا يتعلق الأمر دوماً بالمنطق.. على الأقل بحدود رؤيتنا..
بل يتعلّق دوماً بالثقة بالله وحسن التوكل عليه وحسن الظن به..
خلاصة القول: حينما تنعدم لديك كل الوسائل، سلّم لله..