ربما لن تصدقوا.. لكنني قد وُلدت في هذه الدنيا مرتان!..
نعم مرّتان!.. لكم أن تعجبوا.. فقلّة من يولدون أكثر من مرة واحدة..
قد خرجت في الأولى من ضيّق رحم أمّي بعد حمل تسعة أشهر.. وكان عمري حينها صفراً!..
والثانية من ضيّق ذلك المكان بعد حمل شهران.. وكنت قد أتممت حينها واحداً وعشرين ربيعاً!!..
استقبلت في الأولى دنياي بوجه عبوس.. وبكاء مرير.. معي الحق كل الحق في ذلك إذ كنت أجهل الكثير.. لم أكن أدر حينها إلى أين أخرج ولا علام أقبل.. وإنما جلّ ما أخالني كنت أفكر فيه في لحظة ولادتي تلك.. هو دفء جوف أمي وبرودة الخارج.. حنانها ووحشة الباقين،، خوفي من ذلك العالم المتسع المجهول..
لم أكن أملك أدنى فكرة لماذا أخرجوني.. ولا ما يتوجب عليّ فعله..
لا مصيري ولا مهمتي.. لا غايتي ولا وجهتي..
لم يخبرني أحد.!..
أحسب أنني صرخت حينها.. أعيدوني أرجوكم!!..
لكنني في الثانية.. خرجت للكون بوجه مشرق.. بابتسامة عريضة.. بروحٍ ملؤها التفاؤل والأمل والطموح..
خرجت أحمل في صدري همّاً مباركاً قدسياً.. يوقد همّة على العلم والعمل..
خرجت وقلبي يشتعل بإيمانٍ يدفع صاحبه إلى فعل المعجزات وتخطي المستحيل للوصول إلى أسمى الغايات..
خرجت وكلّي يقينٌ بأنّي لم أخلق لأكون مجرد ما كنت عليه.. مسلمٌ واقفٌ في الظلّ.. يضلّ يتيه حيناً ويهتدي حيناً..
يقضي عمره بين يمنة ويسرة.. لا يدري علام يدركه الموت.. على ذا أو ذاك..
يسير على خط ترسمه عصاً قد مدّها أمامه.. نهاية الخط قد لا تبعد عن موطئ قدمه أكثر من مترٍ واحدٍ.
بل خلقت لأكون عبداً لله طائعاً.. عبداً عرف مولاه فأحبه.. ودفعه ذلك الحبّ إلى كلّ بذل وعطاء..
خلقت لأكون خليفة لله في أرضه أعمرها بدينه.. وأنشر فيها اسمه ومعرفته وحبّه..
خلقت لأسير على خطّ سبق أن رسمته ليوصلني إلى رؤية نسجت معالمها وحدودها.. رؤيةً سترفد يوماً أمّة هي خير الأمم.. لا مجرد أحلام وأوهام..
وهأنا عند خروجي أصرخ للدنيا وأقول..
والله لم تنثني عزائمي.. ولم تفتر قواي..
بل قد أوقد ذلك الرحم همتي..
لقد علّمني الكثير..
لقد حفزني.. لقد قوّاني..
لقد صحح مسيري..
لن أكون يا دنيا من عهدتِ طوال عمرٍ مضى..
بل سأكون.. ما قد خلقت لأكون.
ما شاء الله كلام رائع بارك الله لك بعلمك وعملك ونفع بك المسلمين ما حييت.
ردحذف